الحسيمة.. دعوات لفتح تحقيق في تمويلات الجمعيات العاملة بالمجال البيئي
يتجدد الجدل بالحسيمة حول وضعية المنظومة البيئية بالإقليم، في ظل تنامي الضغوط التي تستهدف المجال الطبيعي وتراجع الثقة في بعض المبادرات التي قُدمت خلال السنوات الماضية باعتبارها مشاريع لحماية البيئة وتحسين الأوضاع الاجتماعية للسكان. وفي قلب هذا النقاش، تبرز مطالب بإخضاع الجمعيات التي اشتغلت في القطاع لافتحاص مالي وإداري مستقل، قصد الوقوف على طبيعة التمويلات التي استفادت منها، ومصادرها، وكيفية صرفها، ومدى مطابقة المشاريع المنجزة للأهداف المعلنة والنتائج المسجلة على أرض الواقع.
وتستند هذه المطالب إلى كون عددا من الجمعيات استفاد، وفق المعطيات المتداولة، من تمويلات دولية ودعم ضمن برامج حكومية، فضلا عن إبرام شراكات وتنفيذ مشاريع مرتبطة بالبيئة والتنمية المحلية، دون أن يكون أثر بعضها واضحا بالقدر الذي يبرر حجم الموارد المرصودة لها. ويطرح هذا الوضع سؤالا أساسيا حول حصيلة هذه المشاريع، وما إذا كانت قد حققت فعلا الأهداف التي أُطلقت من أجلها، أم أن اسم المنتزه الوطني للحسيمة والظروف الاجتماعية لساكنة هذا المجالزالترابي تحولا في بعض الحالات إلى مدخل لاستقطاب التمويلات، من دون وضوح كافٍ بشأن مآلها ونتائجها.
وتبرز جمعية "أزير" ضمن الحالات التي تستحق، بحسب أصحاب هذه المطالب، افتحاصا دقيقا لحصيلة مشاريعها ومآل التمويلات المرتبطة بها. ومن بين الملفات التي تثير التساؤلات مشروع المشتل بمنطقة "ثفنسة" التابعة لجماعة إزمورن، الذي كان يفترض أن يساهم في إنتاج وتوطين الأشجار المحلية المثمرة. غير أن المعطيات المتداولة بشأن المشروع تثير تساؤلات حول وضعه الحالي ومدى تحقيقه للأهداف التي أُعلن عنها، إلى جانب الوعاء العقاري الذي حصلت عليه الجمعية من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في إطار أراضي الأحباس، وما إذا كان العقار لا يزال مستغلا في الإطار الذي خصص له، وما هي وضعيته القانونية والوظيفية الحالية.
ولا يتوقف الجدل عند هذه المشاريع، إذ يطرح ملف مضخة المياه العادمة بمركز "طوريس" سؤالا أكثر إلحاحا حول الفارق بين الغاية المعلنة والنتيجة المسجلة ميدانيا. فالمشروع الذي قُدم في الأصل باعتباره تدخلا لحماية البيئة وتحسين تدبير المياه العادمة، أصبح، وفق الانتقادات المتداولة، مصدر قلق بيئي بسبب ما يثار حول تأثيره على المجال البحري بالمنطقة. وهو ما يجعل افتحاص المشروع، منذ مرحلة التمويل والدراسة إلى الإنجاز والاستغلال والصيانة، ضروريا لتحديد المسؤوليات والتأكد من مدى احترام المعايير البيئية والتقنية المعتمدة.
وتشمل التساؤلات كذلك مشروعا استهدف، وفق أهدافه المعلنة، المساهمة في تحسين الوضعية الاجتماعية والاقتصادية لأسر الصيادين التقليديين بالمناطق الساحلية ل"بادس" داخل مجال المنتزه الوطني للحسيمة. كما يطرح مشروع إحداث تعاونية للزيتون ببني حذيفة بدوره أسئلة حول ما تحقق من الأهداف المرسومة له، ومراحل إنجازه، والنتائج التي انتهى إليها. وبين هذا المشروع وذاك، تتسع الحاجة إلى جرد شامل للمشاريع المنفذة، وكلفتها، ومصادر تمويلها، ونسب إنجازها، والجهات المستفيدة منها، ومدى استمرارها بعد انتهاء فترة التمويل.
وفي هذا السياق، تتجه المطالب إلى المنظمات والمؤسسات الدولية التي مولت أو شاركت في دعم هذه المشاريع، وإلى المؤسسات الحكومية المعنية، وفي مقدمتها الوكالة الوطنية للمياه والغابات ووزارة الصيد البحري، من أجل إيفاد لجان مختصة للفحص والتدقيق في المشاريع والتمويلات المرتبطة بها. كما تشمل المطالب مراجعة أسس الشراكات القائمة، والتحقق من الوضعية القانونية للعقارات الموضوعة رهن إشارة الجمعيات، وربط استمرار الدعم بتقديم حصيلة مالية وتقنية واضحة. فحماية المنتزه الوطني للحسيمة لا تنفصل عن حماية المال الموجه للبيئة، ولا يمكن لأي سياسة بيئية أن تحقق أهدافها في غياب الشفافية والمساءلة ووضوح مآل المشاريع.
وتطرح طريقة تدبير الجمعية بدورها سؤالا حول التداول الديمقراطي داخل هيئات المجتمع المدني، بعدما ظلت رئاستها بيد الشخص نفسه منذ تأسيسها، وهو ما يثير نقاشا بشأن مدى احترام مبادئ التداول وتكافؤ فرص المشاركة في تحمل المسؤولية. وقد امتد هذا النقاش إلى الشارع المحلي، حيث تحولت الاستمرارية الطويلة في القيادة إلى مادة للتندر والتعليق، حتى بات بعض المتتبعين يصفون الجمعية، على سبيل السخرية، بـ"دار للا العروسة"، في إحالة إلى ما يعتبرونه طابعا أسريا طغى على تدبيرها.
التعليقات
أضف تعليقك