عندما يرحل الكبار لم يعد هناك مذاق للحياة

في أقل من سنة رحل عنا رفاق و أصدقاء عاشوا في صمت و عرفوا بنكران الذات أحبو شعبهم حتى الجنون، قضوا حياتهم كلها خدمة للقضايا العادلة و النضال الديمقراطي في المغرب أذكر من بين هؤلاء : - الشاعر و الفنان محمد شاشا : مناضل شهم صامد و ثابت، جرب كل شيء لكي يساهم في تغيير الوضع في وطنه الأصلي. شاشا كان يحب الجميع الا "ايعالاويان و ايخوانن" على حد تعبيره او ما كان يردده على مسامع الجميع بكل جرأة و تحد إلى آخر يوم من حياته. شاشا عاش لاجئا في هولاندا غنى للثورة و للإنسانية و للحرية و حب الناس.... عاش بصمت و رحل في ضجيج تاركا الأسئلة التي صارع من اجلها مشتعلة إلى الأبد...! - الدكتور احمد بناني: الباحث الأنتروبولوجي المغربي الكبير بجامعة لوزان السويسرية، عرف معارضا شرسا لنظام الحسن الثاني و ظل ثابتا على مواقفه و لاجئا مغربيا بسويسرا إلى ان وافته المنية في صيف 2016، تاركا وراءه العديد من الكتب و البحوث و الإنجازات و الوثائق التي ظلت في أيادي آمنة (زوجته و أولاده المقيمون دائما بسويسرا). - الأستاذ حكيم المسعودي : كان صديقا للجميع دائم الابتسامة و الجدية شديد الحركية. لم يعاد أحدا طوال حياته. يناقش و يجادل بهدوء قل نظيره مقبول الأفكار، متسامح الى درجة لا تتصور، يستحيل أن يترك لك فرصة الاصطدام معه و لو خالفك الرأي. حكيم من طينة ناذرة جدا. وفاته خسارة كبيرة للريف و للوطن، يرجع له الفضل في نشر ثقافة البيئة في الحسيمة و نواحيها. فتكوينه و مهنته كاستاذ في البيولوجيا ساعده على ذلك, بل يعد من أبرز الفعاليات التي تركت بصمات واضحة في المنزه الوطني بالحسيمة تاطيرا و توجيها و تفكيرا. حكيم قاوم بشجاعة المرض اللعين لمدة تفوق سنتين إلى استسلمت روحه يوم 9 من الشهر الجاري. - الاستاذ جمال اوفتيح : يعد من بين مؤسسي الحركة الطلابية المغربية المنضوية تحت لواء الاتحاد الوطني لطلبة المغرب بموقع وجدة، مباشرة بعد أن فتحت جامعة محمد الأول أبوابها بهذه المدينة المناضلة. عانق افكار اليسار و هو شابا يافعا و يعد من مؤسسي فصيل رفاق الشهداء بموقع وجدة. انتخب في الأجهزة التنظيمية لاوطم حيث كان مسؤولا في مجلس القاطنين للحي الجامعي في ذات الجامعة. اعتقل رفقة العشرات من رفاقة في انتفاضة 1984، الإخوة بن شريف (مصطفى و احمد و عبد الصماد)، و احمد الجزولي، و محمد اليزيدي، و عبد العزيز بوعلي و عبد القادر حلوط و عشرات من خيرة أبناء جامعة وجدة المؤسسين لاوطم بجامعة وجدة الذين شكلوا منارة للصمود و التحدي و الاجتهاد الفكري و النظري). جمال اوفتيح هاجر و عاش لاجئا سياسيا في هولاندا مباشرة بعد مغادرته للسجن أي سنة 1986، و منذ ذلك الحين لم تمر أي معركة نضالية في هولندا أو أوروبا لم يحضر فيها. كان نشيطا بشوشا ديناميكيا يحب المرح يتقن الغناء و خاصة أغاني وليد ميمون و اثران و ايزران و ناس الغيوان...الخ. كان كثير السفريات زار عدة بلدان أبرزها كوبا و دول اخرى في امريكا اللاتينية (و اعتقد حتى لبنان). رحل جمال بعد مقاومته الطويلة للمرض الخبيث تاركا وراءه إرثا نضاليا لا يستهان به. كما ترك زوجة و ثلاثة أطفال متمنيا لهم الصبر و السلوان. رحل هؤلاء الأصدقاء و الرفاق (الذين تقاسمت معهم جميعا لقمة العيش و مرارة النضال و قساوة الحياة ). فالموت حقا ينتظرنا جميعا و بدون استثناء، و لا ندري من هو الأول منا على رأس اللائحة ؟ لذلك استغل هذه المناسبة الأليمة لأوجه نداء حارا لكل الرفاق و الرفيقات داخل المغرب و خارجه لأقول لهم : "الحياة جميلة يا رفاقي كما الموت...". تواضعوا رحمكم الله لنواصل الرسالة بهدوء و استكمال المشوار النضالي الذي بدأه هؤلاء الإبطال بأفكارهم و تضحياتهم و حريتهم و جرأتهم و مالهم و حياتهم . فإن خير تكريم لهؤلاء الشرفاء الأبطال، ليست "تدوينات عابرة" و بكاء وراء الحاسوب الذي لا ينفع كثيرا، بل هو استعدادنا الجماعي لإدانة الأحقاد و الكبرياء التي لا يستفيد منها إلا أولائك الذين هجرونا و شردونا بعد أن قمعونا و قمعوا أباءنا.... و هم (الحاكمون) الذين يعيشون في النعيم... و في القصور و يطحنونا واحدا تلو الآخر ببرودة دم ، قبل أن يطحننا الموت واحدا بعد الآخر و نحن لم نذق بعد حلاوة الحرية ..
