أوراق بروكسيل

أوراق بروكسيل
أحمد بن شريف 2018/05/18 على الساعة 14h55

 

خارج دائرة الزمن ، أو داخل بعض حلقاته المنفلتة ، كنت أمضي ممهورا بأصوات صاعدة من ساحة "شارل بلس" بقلب مدينة بروكسيل ، حيث تنتصب قائمة ، تؤرخ لنخبة من مشاهير الفن ، الذي يعود تاريخها إلى عام 1899م . النصب التذكاري يحمل أسماءهم ، واحدا واحدا ، ويذكي في العين جذوة النظر الصافي ، كما يبعث – حقا – على التأمل في الحروف اللاتينية التي وشحت بها تلكم الأسماء المثيرة ، بحيث تحمل المتطلع إليها على التفكير في أزمنة تشكيلية وفنية خلت وتصرمت آجالها المادية ..إنما انتصاب هذا التذكار وهنا تحديدا ، يستوقف المرء ، بل يدفعه إلى نسج محاولات ، قد تكون يائسة أحيانا في إعادة تشكيل الأشياء وتاريخ الكائنات البشرية ، ومعها بالطبع العالم المحيط بها .

في الأفق المقابل ، تتراءى أسماء لكوكبة من المهندسين المعماريين النابهين الرواد الذين اقترن ذكرهم "ببرابنسون" ؛ تطل وجوههم المفترضة من شرفات القرن الوسيط ؛ أي من مراتع المسيحية الأوربية المتشددة ...وقريبا ، حتى لا أقول من أمام أوطيل المدينة ، الذي أقام به مشاهير أمثال "جاك فان" و جان فان روسيبريك" ؛ الخارجان لتوهما من تحت رداء القرن السادس عشر، كنت أمني النفس بقراءة الكتب المقدسة بإحدى كاتدرائيات المدينة .

وقفت مندهشا بعض الشيئ ، ومترددا في خطوي نحو صف عريض من المقاهي والحانات والمطاعم ، التي تحتل جزءا متميزا من مجال الساحة الكبرى وأزقتها وحواريها المرصوفة بحجارة صقيلة ، اتخذت أشكالا مستطيلة رائعة ..

لدى مروري بدار الملك ، لفت انتباهي لمعان تذكار ، يتربع الجدار السميك ، الذي كتبت فوقه وبحروف مبرزة " دار الملك" ..هذه الدار سجل حضاري وتاريخي إلى جانب أنها بناية عتيقة ، يعطرها القرميد الأصيل والأقبية السرية ..مرت من هناك ، شخصيات مرموقة ورموز ثقافية أثيلة ، نذكر منها "أنطوان كيلدرمان" و "لويس فان بوديخيم" و"رامبو كيلدرمان" و " دومينيك دي فاجيما كير" و "هنري فان بيدي" ...كل هؤلاء وغيرهم كثير ، أنجبتهم أزمنة القرن السابع عشر الميلادي ، وتصادت أسماؤهم ، وسطع نجمهم في سماء مدينة بروكسيل ، فبلغ سيطهم إلى الناس في كل مكان من أوربا ؛ القارة التي ما فتئت يومئذ ، تنفض عنها غبار التخلف والحروب ، وتزيح عن وجهها وشاح التعصب الديني ، المتمثل في حضور الكنيسة الباباوية ، في مختلف مناحي حياة الأوربيين وعقولهم ومتخيلهم .

 

 

تعليقات

لا توجد تعليقات بعد على هذا المقال

تعليقات على المقال